شيخ الأزهر يقرأ عن أفول الغرب/أحمد المسلماني

قبل سنوات هبط الرئيس باراك أوباما من الطائرة وهو يمسك كتاباً بيده. كان الكتاب لعالم السياسة الأميركي جوزيف ناي  الذي يتحدّث عن "مستقبل القوّة"، ويهاجم الذين يروّجون لانهيار الإمبراطورية الأميركية، ويردّ على القائلين بحتميّة التراجع والأفول. وقبل أيّام كان الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب يُمسك بكتابٍ وهو على مقعده بالطائرة، قادماً من ألمانيا، وكان عنوان الكتاب "أفول الغرب" للكاتب المغربي حسن أوريد.

ليس كتاباً هامشيّاً

بعد قليل من انتشار صورة الإمام والكتاب، انطلقت بعض الأقلام تهاجم شيخ الأزهر وما يقرأ. قال هؤلاء إنّ شيخ الأزهر يقرأ كتاباً هامشيّاً عن أفول الغرب الكافر، وهو قادم من العلاج في مستشفى غربي، وبطائرة غربية، من عاصمة غربية، وأنّه لولا الغرب لما وجد العلاج لآلام الظهر، ولَمَا وصل إلى مصر، ذلك أنّ الغرب الكافر يمكنه منع الدواء والطائرة.

لم تردّ مشيخة الأزهر على ذلك الهجوم، لكنّ رئيس تحرير صحيفة "صوت الأزهر" الأستاذ أحمد الصاوي قام بالردّ، وقال إنّ "أفول الغرب" هو عنوان لكتاب كلاسيكي للفيلسوف شبنغلر، وكان أحد محاور النقاش في مؤتمر ميونخ للأمن 2020، وهناك أدبيّات عديدة في الغرب تتحدّث عن "عالم ما بعد أميركا". ثمّ إنّ كتاب حسن أوريد ليس هامشيّاً، ولا يحمل أيّ حديث عن الشرق المؤمن أو الغرب الكافر.

للعرب علاقات قويّة بالغرب، فهم إلى جوار أوروبا، ولهم ارتباط بحضارته تاريخياً وجغرافيّاً وثقافياً. وفقدان الغرب القيادة العالمية ليس بالضرورة خبراً جيّداً للعالم العربي، إذْ ستعاني الدول العربية اضطرابات عنيفة لعدّة عقود

الأفوليّون

في الغرب تيّاران رئيسيان يهتمان بشأن حضارتهم . الأول يرى أنّ هذه الحضارة بدأت رحلة الغروب، أما الآخر فيعتبر أنّها ما تزال  الأعظم والقوّة الأبقى.

يُطلَق على التيّار الأوّل، الذي يرى أنّ النهاية وشيكة، اسم "الأفوليّين" (Declinism). وفي قائمة المفكّرين الأفوليّين توجد أسماء كبرى من وزن أوسفالد شبنغلر صاحب كتاب "أفول الغرب"، وأرنولد توينبي مؤلّف كتاب "دراسة في التاريخ"، وبول كينيدي واضع كتاب "صعود وسقوط القوى العظمى".

يرى هذا التيار أنّ أيّ حضارة مهما عظمت مكانتها أو علا شأنها وبلغت سطوتها فإنّما تحمل في صعودها بذور انهيارها، وأنّ هذا مصير جميع الحضارات، قديمها وأوسطها وحديثها. وعلى ذلك فإنّ حضارة الغرب لن تكون استثناءً من حركة التاريخ، بل شأنها شأن الحضارات السابقة، ومآلها إلى الأفول. ولقد كان المفكّر العربي الكبير عبد الرحمن ابن خلدون أبرز من تحدّث بشأن دورة الحضارات، صعوداً وهبوطاً.

في مواجهة ذلك التيّار يوجد تيّار آخر، هو الأقوى والأبرز، وهو تيّار استمرار الحضارة الغربية وبقاء نفوذها في العالم، ومنه تبرز كتابات أستاذ السياسة المتميّز في جامعة هارفرد جوزيف ناي والمؤرّخ البريطاني نيال فيرغسون.

وإذ يبشِّر ناي باستمرار القوّة الأميركية، فإنّ فيرغسون يذهب إلى امتداح الاستعمار البريطاني السابق للشعوب، ويدعو إلى تقدير أيّة نزعة استعمارية أميركية معاصرة.

100 عام على كتاب "أفول الغرب"

في عام 2022 أعادت بعض دور النشر طباعة كتاب شبنغلر "أفول الغرب" لمناسبة مرور 100 عام على صدوره. كان الجزء الأول من كتاب شبنغلر قد صدر عام 1918 عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وصدر الجزء الثاني في عام 1922، قبل قرن كامل من الآن.

يرى شبنغلر أنّ الدورة الحضارية كالفصول الأربعة: الربيع والصيف والخريف والشتاء، وأنّ العمر الافتراضي لأيّة حضارة هو ألف عام. والحضارة الغربية دخلت عام 1800 فصل الشتاء، حيث التحوّل من المعرفة والفنون والآداب إلى الاستعمار والغزو. فالحضارة تكون في ذروتها حين تكون حضارة قائمة على الثقافة، وتبدأ الانحدار حين تتراجع الثقافة وتبدأ الإمبريالية والتوسّع.

 

ماذا لو أفل الغرب؟

يأتي كتاب "أفول الغرب" لحسن أوريد، الذي كان يقرؤه شيخ الأزهر، في سياق آخر. فهو لا يبشّر بأفول الحضارة الغربية، لكنّه يطرح أسباب الأفول، ثمّ يطرح تساؤلاً مهمّاً: ماذا لو أفل الغرب؟ ماذا عن العرب؟

إنّ للعرب علاقات قويّة بالغرب، فهم إلى جوار أوروبا، ولهم ارتباط بحضارته تاريخياً وجغرافيّاً وثقافياً. وفقدان الغرب القيادة العالمية ليس بالضرورة خبراً جيّداً للعالم العربي، إذْ ستعاني الدول العربية اضطرابات عنيفة لعدّة عقود.

يذهب المؤلّف، وهو روائيّ وكان زميل دراسة لمركز "الملك محمد السادس" وعمل دبلوماسياً، إلى أنّ الأيديولوجية الغالبة في الغرب هي "المركنتيلية" لا "التنويرية"، والمركنتيلية التجارية الربحية السائدة لا صلة لها بالأنوار التي بشّر بها الغرب، بل إنّ الديمقراطية إزاء سطوة المركنتيلية التجارية، والعولمة المتطرّفة قد أصبحت في مهبّ السوق.

وعلى ذلك أصبحت القوّة الغربية أشبه بفاكهة ينخرها الدود، وباتَ الغرب يعاني أزمة وجودية ليست خطراً على الغرب وحده، بل هي خطر على العرب أيضاً. وهو ما يعني أنّ على العالم العربي أن يسعى إلى أن يكون أكثر استقلالاً، فإذا ما أفل الغرب، لا يواجه الانهيار على أثر الأفول.

يكتسب هذا الطرح أهميّة خاصة مع اندلاع حرب أوكرانيا، وتأزّم أوروبا.. وارتباك الاقتصاد والحياة في شمال الأطلسي بضفّتيه.

نهاية الحضارة أم نهاية الكوكب؟

إنّ الطرح الذي قدّمه العلامة ابن خلدون ويطرحه الأفوليون وغيرهم، قد لا يكون كافياً اليوم. ذلك أنّ تراجع القوى العظمى وتبدّل المراكز على نحو سلميّ يمكن أن يكونا تطبيقاً لنظريّة دورة الحضارة.

لكنّ هناك جديد غير مسبوق، وهو أسلحة الدمار الشامل. فالسلاح النووي إذا ما جرى استخدامه فإنّما يعني نهاية الكوكب لا نهاية الحضارة، فمن شأن أي حرب نووية عالمية أن تُعيد العالم إلى العصر البدائي، وفي هذه الحالة لن يكون الحادث هو: أفول حضارة لصالح حضارة أخرى، أو انهيار قوّة لصالح قوة بديلة. بل سيكون الانطفاء الكامل للحياة، والظلام الدامس للقارات الستّ