المحاماة أولًا… والانتخابات وسيلة لا غاية/ عبد القادر ولد محمد

 

مع اقتراب انتخابات الهيئة الوطنية للمحامين، تتجه الأنظار، بطبيعة الحال، إلى المترشحين وبرامجهم ورؤاهم. غير أن هذا الاستحقاق المهني ينبغي أن يكون، قبل كل شيء، مناسبة للتفكير في حاضر المهنة ومستقبلها، وفي الدور الذي ينتظرها في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
ولعل من المفيد التذكير، ابتداءً، بأن العلاقة بين السلطة والمحاماة ليست، في أصلها، علاقة خصومة، كما أنها لا ينبغي أن تكون علاقة تبعية. فالمحامي ليس مطالبًا بأن يكون ضد السلطة لمجرد أنها سلطة، بل إن الأصل أن يكون عونًا لها في إرساء سيادة القانون، وإنارة الطريق أمامها كلما تعلق الأمر بحسن تطبيق النصوص أو بصيانة الحقوق والحريات.
فالسلطة التي تعدل وتحترم الدستور والقوانين هي أول المستفيدين من محاماة قوية ومستقلة، لأن العدل لا يحمي الأفراد وحدهم، بل يحمي الدولة نفسها، ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها. ومن ثم، فإن مصلحة السلطة، ومصلحة المحاماة، ومصلحة المجتمع تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة هي سيادة القانون.
غير أن هذه العلاقة قد تعرف، بطبيعتها، لحظات من التوتر. وليس مرد ذلك إلى رغبة المحامي في معارضة السلطة، وإنما إلى طبيعة الرسالة التي يحملها. فهو يؤدي قسمًا يلزمه بالدفاع عن الحقوق والحريات، فإذا رأى أن قرارًا أو إجراءً قد خالف القانون، كان من واجبه المهني والأخلاقي أن يقول ذلك، لا خصومةً مع السلطة، بل وفاءً للقانون الذي تستمد السلطة نفسها شرعيتها منه.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا السياق ما خاطب به النقيب أحمد سالم ولد بوحبيني الرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز، حين ذكّره، بما مفاده، بأن السياسيين قد يتفرقون من حول صاحب السلطة في ساعة الشدة، وأنه قد لا يرى خلفه، عندئذ، سوى المحامين. ولم تكن تلك الكلمات تهديدًا ولا تحديًا، وإنما كانت تذكيرًا بأن دولة القانون تحمي الجميع، حكامًا ومحكومين، وأن المحامي قد يكون آخر من يبقى إلى جانب الإنسان حين تتغير المواقع وتتبدل المواقف.
ولعل التاريخ المغاربي يقدم شاهدًا لا يقل دلالة على هذه الحقيقة. فقد رُوي أن رجل الدولة التونسي البارز أحمد بن صالح التقى المحامي محمد البناصر في أحد شوارع العاصمة، وكان هذا الأخير قد ترافع في قضية سياسية بمرافعة شديدة اللهجة، فعاتبه أحمد بن صالح قائلًا: «ما زال لسانك طويلًا؟» فأجابه المحامي: «سيأتيك يوم تحتاج فيه إلى هذا اللسان الطويل.»
ولم تمضِ سوى أشهر حتى تبدلت الأحوال، فدخل أحمد بن صالح السجن، فلجأ إلى المحامي نفسه ليتولى الدفاع عنه. وفي هذه القصة درس بليغ: فالمحامي لا يخاصم الأشخاص، وإنما يدافع عن الحقوق، وقد يصبح المدافع اليوم عن خصم السلطة هو المدافع غدًا عن أحد رجالها، لأن ميزانه، في الأصل، ليس الولاء للأشخاص، بل الولاء للقانون.
وأستحضر كذلك مشهدًا من جلسات المحكمة الخاصة التي انعقدت بدار الشباب القديمة في بداية عقد الثمانين ، حين خاطب الضابط الذي كان يترأسها المحامين، ولا سيما الأجانب منهم، طالبًا إليهم ألا تتحول الجلسة إلى مهرجان انتخابي، وأن يلتزموا الاعتدال في مرافعاتهم مهددا باخراجهم فجاءه رد أحد كبار المحامين بعبارة لا تزال عالقة في الذاكرة: «المحامي قطعة رئيسة من المسطرة.»
وهي عبارة تختصر مكانة الدفاع في المحاكمة العادلة، وتؤكد أن المحامي ليس ضيفًا على القضاء، ولا عنصرًا طارئًا على العدالة، بل هو أحد أركانها الأساسية.
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة لتنافس شريف، يسوده الاحترام وروح الزمالة، بعيدًا عن التجريح الشخصي أو الاستقطاب الذي يترك جراحًا تبقى بعد انتهاء الاقتراع. فالانتخابات تمضي، أما الهيئة فتبقى، وما يبقى معها هو سمعتها ووحدتها وقدرتها على الدفاع عن المهنة ورسالتها.
كما ينبغي أن تكون مناسبة لتثمين المحاماة نفسها، وإبراز مكانة الهيئة باعتبارها مؤسسة مهنية وطنية يعول عليها في ترسيخ دولة القانون، والدفاع عن الحقوق والحريات، والإسهام في إصلاح العدالة.
و تحية خاصة لأولئك الزملاء الذين راهنوا على المحاماة منذ اليوم الأول، ولم يعرفوا مهنة ولا وظيفة سواها. هؤلاء هم لب المهنة وطعمها، وهم ذاكرتها الحية، وحملة تقاليدها وخبرتها المتراكمة، ومنهم تستمد كثيرًا من قيمها وأعرافها. ولهذه الفئة، بحكم إخلاصها الطويل للمهنة، مكانتها وأولويتها المعنوية والمهنية.
وتحية كذلك إلى شباب المحامين الذين يراهنون عليها مستقبلًا ورسالة، ويشقون طريقهم في ظروف صعبة . فهؤلاء هم مستقبل الهيئة، وبهم تتجدد المهنة وتستمر، ومن حقهم أن يجدوا في مؤسستهم ما يحمي كرامتهم المهنية ويفتح أمامهم آفاق العمل والتكوين والارتقاء.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى أن مستقبل المهنة يقتضي أيضًا تعزيز حضور المرأة في صفوف المحامين، وتشجيع المزيد من خريجات كليات الحقوق على الانخراط في هذه الرسالة النبيلة، لاسيما في ظل تعقد العلاقات الأسرية وتنامي المنازعات الاجتماعية، بما يجعل مساهمتها القانونية والإنسانية أكثر أهمية من أي وقت مضى، ويثري المهنة ويعزز رسالتها في خدمة العدالة.
ولا يعني ذلك أن المحاماة ينبغي أن تنغلق على نفسها. فهي تتسع أيضًا للأساتذة الجامعيين، ولأهل الخبرة في القانون والإدارة، ولسواهم من أصحاب التجربة، متى كان انضمامهم إليها إضافة حقيقية، وفي إطار معايير موضوعية واضحة وعادلة، تحترم القانون وتكفل تكافؤ الفرص، بعيدًا عن كل اعتبار شخصي أو استثنائي.
ذلك أن أهل القانون هم أولى الناس باحترام القانون. وإذا كانت الهيئة تطالب غيرها باحترام النصوص، فإنها مطالبة، قبل الجميع، بأن تجعل من القانون المرجع الأعلى في تنظيم شؤونها، وفي إدارة خلافاتها، وفي اختيار قيادتها.
إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في فوز هذا المترشح أو ذاك، وإنما في أن تخرج الهيئة من هذا الاستحقاق أكثر وحدة، وأكثر قوة، وأكثر قدرة على أداء رسالتها.
فالانتخابات وسيلة، أما الغاية فهي محاماة قوية، مستقلة، موحدة، تكون سندًا للعدالة، وعونًا للدولة، وحصنًا للحقوق والحريات.
وتبقى المحاماة، في نهاية المطاف، رسالة قبل أن تكون مهنة، ومؤسسة قبل أن تكون أشخاصًا، وهي لن تؤدي رسالتها كاملة إلا إذا ظلت وفية للقانون، مستقلة في قرارها، ومتضامنة بين أهلها.
والله ولي التوفيق.