ماذا بقي من أوهام بيرام؟/ محمد افو

 

منذ نشأة الدولة الموريتانية والمظاهرات تجتاح الحقب، والمعارضون يجوبون الأرض ذهابًا وإيابًا، ويتصدرون المشهد النضالي بمظاهرات تضم مئات الألوف وبالمهرجانات الضخمة والمسيرات المشهودة. لقد جاب ببكر ولد مسعود، ومسعود ولد بلخير، ومناضلو لحراطين طول البلاد وعرضها في عقود لا تتوفر فيها الصورة ولا الشهود، وكان مصدر المعلومات الوحيد هو الدولة، وتحت أنظمة حكم غير مستقرة ولا شرعية، وسجونها مفتوحة للخصوم؛ وتستخدم مسيلات الدموع والاهراوات وخراطيم المياه.. الخ.، ومع ذلك، لم يتحدث أحد من هؤلاء القادة التاريخيين عن محاولة اغتيال، ولا عن تسميم، ولا عن اضطهاد زوجة، أو محاولة قتل أبناء. حتى جاء بيرام في عهد الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي، لا ليحدثنا عن مخططات استخباراتية لتصفيته أو قتل أبنائه، وإنما عن محاولات اغتيال مخطط لها عند استقباله في المطارات أو أثناء وقفات احتجاجية تنقل نقلًا مباشرًا إلى الرأي ، أمام الكاميرات والهواتف ( أي محاولة تصفية هذه؟) 

لا غاية لبيرام من مشروع وطني، ولا غاية لنوابه من البرلمان غير ترديد الشعارات والحفاظ على صورة خارجية يسوق نفسه من خلالها كمناضل مضطهد ومحاصر تحاول السلطات اغتياله واغتيال أطفاله. وضمن هذه السياسة يتضح تفسير ما يحدث؛ فالمطلوب من "الإيراوي" تحديدًا هو دخول السجن أو تحدي السلطة والمجتمع بدرجة يكون فيها تركه خارج السجن تحديًا للقانون، بينما يكون إدخاله السجن هو غاية رئيسه، هكذا هي الرؤية ببساطة.
وفي هذا المسار، تكون الدولة أمام خيارين: إما أن تحاسبهم وتزج بهم في السجون، وهذا مهم لصورة "إيرا" في الخارج باعتبارها أداة نضال محاصرة ومضطهدة؛ والخيار الثاني هو ترك "إيرا" تعبث من خلال خطاب الكراهية وتكريس التمايز بين المواطنين، وهذا أيضًا مصدر منفعة للزعيم.
ومع الوقت، أصبحت هذه السياسات مكشوفة، وتآكل خطاب النائب بيرام، وبدأت الرؤية تتضح حين رفض النظام الرضوخ لأطماع الزعيم المعروفة، وكذلك حين لم يحسب حسابًا لابتزازه. وهذه كانت نقطة الضعف الكارثية لبيرام؛ فالنظام كان يدرك درجة تماسك الشعب الموريتاني وعدم انصياعه تاريخيًا لأي خطاب يفت في عضد وحدته، و قد نجح في قراءة التكتيك البيرامي المؤسس على الفبركة والتضخيم.
ويتجلى هذا التكتيك في صورة "كرفور كلينيك" المزدحمة بالمتسوقين وزحمة نقاط النقل، وما ينتج عن إعلان التجمهر عند "كرفور BM2" من تجمهر الباعة في أكثر أسواق العاصمة اكتظاظًا، وما يرافق ذلك من ترقب اللصوص للفوضى واستغلالها لأعمال العنف والسلب والشغب ؛ وهي كلها حيثيات تخدم التكتيك البيرامي الذي يصدر صورة قدرته على زعزعة الأمن وقدرته على الحشد، وهذا ما توفره "كلينيك" و "BM2" مجانًا.
لذلك، من المعهود أن تنظم المعارضة الموريتانية تجمهراتها في ساحة ابن عباس، وحين شُغلت ساحة ابن عباس تحول المكان المفضل للحشد إلى ساحة "كرفور المعرض". ستلاحظون بأن كل قوى المعارضة تبحث عن مكان فسيح وبعيد عن نقاط ازدحام الناس والسيارات ("ساحة")، وتختار الساعة الرابعة قبل ازدحام الطرقات في أوقات الإغلاق؛ بينما يبحث بيرام عن التقاطعات الضيقة والمزدحمة بالناس والسيارات، ويختار الساعة السادسة، ( وقت ذروة الاكتظاظ وازدحام خطوط النقل والتقاطعات المحيطة بالسوق.) 
وفي ظروف كهذه، وضمن رؤية وتكتيك "كلينيك - BM2"، تبقى القضية قضية شحن ومواجهة وتحدٍ، ولن تقدم رؤية أو مشروعًا. ولم يقدم بيرام الداه عبيد ولا إحدى نائبات "إيرا" أي مشروع قانون للجمعية الوطنية طوال فترتهم في البرلمان، وهذ ما يؤكد ما يتوجه إليه البعض بأن حركة "إيرا" لم تتأسس على مشروع، ولم تتبنَّ مشروعًا مجتمعيًا يخص الوطن أو المواطنين. كما يدل على أنه بدل أن يتم استخدام كرسي البرلمان للتشريع والرقابة، تم استخدامه كأداة إعلامية للترويج لخطاب غايته تعزيز رؤية بيرام القائمة على الابتزاز والتخويف، ومحاولة تضخيم المخاوف من انزلاق أمني يصور هو ونوابه أن زناده بأيديهم ("أنا لين نبقي انواكشوط يشعل يشعل") والقول لبيرام.
ورغم أن بيرام قادر على إنشاء حزبه وفق الشروط والمعايير الجديدة دون عناء، إلا أنه يدرك بأن إجراءً كذلك يتعارض مع خطاب المظلومية والاضطهاد التي يعتبرها وقودًا وحيدًا لبقائه في حيز الاهتمام المنظماتي. ولن يتحدث بيرام ولا نوابه عن القضايا الوطنية، ولن يودعوا مشروع قانون، ولن يناقشوا آخر، ولن يحملوا قضية مظلوم (عدا ما يمكن توظيفه في الشحن الشرائحي)، وسيبقى هؤلاء في عزلة تامة حين يتعلق الأمر بإقناع المواطنين بهذا الهراء والزيف، وسيبقى بيرام بعيدًا عن ساحة "كرفور المعرض" وعن أي ساحة تتسع لحقيقة (أي حقيقة).
وبعد مسح طاولة "كلينيك - BM2" من الأجانب غير الشرعيين، واتساع الشوارع هناك، وبعد فشل المحاولات الأخيرة، وملل المنصات والصحافة من إسهال الدعوات للمؤتمرات الصحفية، وبعد أن بارت أسطوانة الاضطهاد والاستهداف؛ أصبح من الواضح لـ "الزعيم" أن بقاءه في المشهد والذاكرة مرتبط كليًا بالهذيان أمام أي كاميرا هاتف يتطوع صاحبها في الشارع لتصوير مشهد من مشاهد الهذيان، حتى لو تكرر ذلك في اليوم سبع مرات، لدرجة يصبح فيها هذا الزعيم محتاجًا للشك فيمن يرافقه من الناس على أنهم أعضاء في مافيا تريد تصفيته.

لقد صدق بيرام نفسه ولم يعد يحد من يصدقه ولا اعتقد أن مريم الشيخ وقامو عاشور كن مصابرات إلا من أجل ما تحقق لهما من مصلحة.