أهمية الابتعاد عن الخطاب الشعبوي/ النائب البرلماني المختار ولد أخليفة

تُعدّ موريتانيا بلدًا غنيًا بتنوعه الثقافي والاجتماعي، حيث تعيش فيه مكونات متعددة يجمعها تاريخ طويل من التعايش والتآلف. وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجهها الدول المعاصرة، يصبح الحفاظ على السلم الاجتماعي ضرورة وطنية كبرى لا تقل أهمية عن الأمن أو التنمية. ومن أخطر ما يهدد هذا السلم انتشار الخطاب الشعبوي الذي يقوم على إثارة العواطف، واستغلال الاختلافات الاجتماعية والعرقية والجهوية، وتوجيه الجماهير نحو الانقسام بدل الوحدة.

 

والخطاب الشعبوي هو خطاب يعتمد على التبسيط المفرط للمشكلات، ويغذي مشاعر الغضب والكراهية، ويقسم المجتمع إلى فئات متصارعة، عبر تصوير طرف معين باعتباره سبب الأزمات والمشكلات. وقد أثبتت تجارب عديدة في العالم أن هذا النوع من الخطاب يؤدي إلى التوترات الاجتماعية وإضعاف مؤسسات الدولة ونشر الكراهية والتحريض. وتشير دراسات حديثة إلى أن الخطاب الشعبوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي يساهم في نشر العنف والكراهية وإضعاف اللحمة الوطنية، خاصة عندما يُبنى على القبلية أو الجهوية أو العرقية.  

 

وفي بلادنا، حيث يشكل التعايش بين مختلف المكونات ركيزة للاستقرار الوطني، فإن أي خطاب يؤجج النعرات أو يستثمر في الانقسامات يمثل تهديدًا مباشرًا للوحدة الوطنية. وقد حذرت تقارير أممية من خطورة تصاعد الخطابات العنصرية والتحريضية لما قد تسببه من اضطرابات اجتماعية وتوترات بين فئات المجتمع.  

 

ومن المنظور الإسلامي، فإن الشريعة الإسلامية قامت على حفظ وحدة الأمة وتحريم أسباب الفرقة والنزاع. يقول الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويقول أيضًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. كما نهى الإسلام عن السخرية والتنابز بالألقاب وإثارة العصبيات الجاهلية، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيحي البخاري ومسلم ، ان النبي صل الله عليه وسلم قال : “دعوها فإنها منتنة” عندما ظهرت العصبية بين المسلمين. وهذا يدل على أن كل خطاب يثير الأحقاد أو يزرع الكراهية بين الناس يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى حفظ الدين والنفس والمجتمع.

 

كما أن الإسلام يدعو إلى التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات والتحريض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فالخطاب الشعبوي غالبًا ما يعتمد على الإشاعات والتضليل وإثارة المخاوف لتحقيق مكاسب سياسية أو اجتماعية آنية، دون اعتبار للعواقب البعيدة على استقرار المجتمع.

فالتفاوت بين الناس يكون بتقوى الله فقط، لقوله تعالى جل جلاله في محكم تنزيله:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. 

أما من ناحية القوانين الدولية، فقد أكدت المواثيق الدولية على أهمية مكافحة خطاب الكراهية والتمييز. 

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على المساواة بين البشر وعدم التمييز بينهم بسبب العرق أو اللغة أو الأصل. كما يدعو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى منع أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. ولذلك أصبحت مواجهة الخطابات المتطرفة والشعبوية جزءًا من جهود الدول للحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي.

 

وقد شهد العالم أمثلة خطيرة على آثار الخطاب الشعبوي، حيث أدت بعض الخطابات المتطرفة في دول إفريقية وآسيوية وأوروبية إلى انقسامات حادة وصدامات اجتماعية، بل وحروب أهلية في بعض الأحيان. وتشير دراسات متخصصة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة سريعة لنشر الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة، مما يضاعف مخاطر هذا الخطاب على المجتمعات الهشة.  

 

وفي المقابل، فإن الخطاب الوطني المسؤول هو الذي يدعو إلى الحوار والتسامح واحترام مؤسسات الدولة والقانون، ويركز على القضايا التنموية بدل تأجيج الصراعات الهامشية. فموريتانيا بحاجة اليوم إلى خطاب جامع يعزز الهوية الوطنية المشتركة، ويشجع على العمل والإنتاج والتعاون، بدل نشر الإحباط والانقسام.

 

ويظل التعليم الوسيلة الأهم لمحو الفوارق الاجتماعية وترسيخ قيم المواطنة والتعايش. فالمجتمعات المتعلمة أقل عرضة للتطرف والانجرار وراء الخطابات الشعبوية، لأنها تمتلك الوعي والقدرة على التمييز بين الخطاب العقلاني والخطاب التحريضي. وقد أكدت السلطات الموريتانية مرارًا أن إصلاح التعليم يمثل حجر الأساس لبناء مجتمع متماسك وعادل، حيث شدد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على أن التعليم هو السبيل الوحيد لمحو الفوارق وتعزيز التماسك الاجتماعي ومحاربة القبلية والجهوية والتراتبية الوهمية.  

 

وفي هذا الإطار، تبذل الحكومة جهودًا متزايدة لتطوير المنظومة التعليمية من خلال مشروع “المدرسة الجمهورية”، وتوسيع فرص التعليم، وتحسين التكوين، وإطلاق برامج لتأهيل الكوادر التربوية، إضافة إلى إصلاحات تهدف إلى تعزيز المساواة بين المواطنين في الولوج إلى التعليم والخدمات الأساسية. وهذه الجهود تمثل خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر عدالة وانسجامًا، لأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتعليم جيد يرسخ قيم الوحدة الوطنية والانفتاح والتسامح.

 

وفي الأخير ، فإن المحافظة على السلم الاجتماعي في بلادنا مسؤولية جماعية تشترك فيها الدولة والنخب السياسية والإعلام والمجتمع المدني والمواطنون كافة. والابتعاد عن الخطاب الشعبوي والتحريضي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو واجب ديني ووطني وأخلاقي لحماية وحدة المجتمع واستقرار الدولة. فالأمم لا تبنى بالكراهية والانقسام، وإنما تُبنى بالحكمة والعدل والعلم واحترام التنوع، وموريتانيا قادرة على تعزيز نموذجها في التعايش إذا انتصر خطاب العقل والوحدة على خطابات التفرقة والشعبوية.

اللهم ادم على بلادنا نعمة الأمن، والأمان والاستقرار