خطاب بيرام: بين المبدئية والأداتية/ محمد افو

 

يُعدّ الخطاب السياسي في جوهره مرآة تعكس درجة اتساق رجل السياسة مع منظومته القيمية، غير أنّ التسجيل الأخير للنائب والحقوقي بيرام الداه عبيد ( اليوم 2 مايو) كشف عن فجوة بيّنة بين الادعاء الأخلاقي والممارسة الخطابية. ففي الوقت الذي يقدّم فيه نفسه بوصفه حاملًا لمشروع الانعتاق والمساواة، جاءت مفرداته محمّلة بإحالات صريحة إلى ذات البُنى الطبقية والجندرية التي يعلن مناهضتها، بما يضع خطابه في دائرة النفعية السياسية التي تستثمر في الموروث التقليدي لخدمة مواقف ظرفية.

إنّ هذا الخطاب يطرح إشكالًا أخلاقيًا يتجاوز حدود السجال السياسي إلى مساءلة الثبات على المبادئ. فالتناقض لا يظهر في الموقف فحسب، بل في آلية إنتاج الخطاب ذاته، حيث جرى تطويع الموروث الطبقي والجندري وتحويلهما إلى أدوات وظيفية لتحقيق غاية سياسية آنية، وهو مسلك يتعارض جذريًا مع الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن ذاته كمدافع عن المساواة وناهض لكل أشكال التمييز.

ويتجلّى هذا التوظيف النفعي بوضوح في استدعائه لمصطلح “لخدم” (الإماء) في وصفه لنائبتين، إذ أحال، عن وعي أو عن غير وعي، إلى منظومة “أخلاق السادة” التقليدية التي تُلزم الرجل “الحر” بالترفّع عن مجادلة الإماء أو معاقبتهن. بهذا الاستدعاء، لا يكتفي الخطاب بإحياء قاموس طبقي متجاوز، بل يعيد إنتاجه كأداة حجاجية؛ حيث يحاول وضع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في موقع “السيد” الذي يُفترض به التعالي عن خصومة “لخدم”، في "عملية خطابية" تُعلي من شأن هذا التراتب بهدف إحراج من يعتبره خصما . وهذا، في جوهره، ارتداد عن الموقف المبدئي المناهض للتراتبية الاجتماعية، إذ يُشرعن التقسيم الفئوي حين يخدم غرضًا تكتيكيًا، بدل رفضه رفضًا قاطعًا بوصفه بنية غير أخلاقية في كل السياقات.

وفي السياق ذاته، يبرز التوظيف الجندري عبر محاولة إضفاء طابع “الفروسية الذكورية” على الصراع السياسي، من خلال توصيف مواجهاته السابقة بأنها كانت “رجلًا لرجل”، مقابل اعتبار الانخراط في مواجهة مع النساء انتقاصًا من مقام الرجولة. هذا التصنيف لا ينطوي فقط على نزعة ذكورية، بل يُقصي المرأة من موقع الفاعل السياسي المكافئ، ويختزلها في صورة لا تستحق الندية في المواجهة أو المحاسبة. وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ الدولة المدنية التي تقوم على المساواة القانونية الكاملة بين المواطنين، بغض النظر عن النوع الاجتماعي.

واللافت أن هذا الخطاب يصدر عن رجل قانون يُفترض أنه يدرك أن الشرعية في الدولة الحديثة لا تُبنى على اعتبارات المكانة الاجتماعية أو النوع، بل على قواعد موضوعية مجردة. غير أنّه اختار، في هذا المقام، التضحية بهذا الأساس القانوني لصالح خطاب شعبوي يستدعي الفوارق التقليدية ويستثمرها في استدرار العاطفة، بدل الاحتكام إلى منطق الحقوق والمواطنة.

بهذا المعنى، تتحول القيم الكبرى—كالمساواة ومناهضة الطبقية—من مبادئ ثابتة إلى أدوات ظرفية قابلة للتكييف وفق مقتضيات اللحظة السياسية. فهي تُستدعى حين تخدم البناء الرمزي للفاعل السياسي، وتُهمّش أو يُعاد تأويلها حين تعيق تحقيق مكسب آني. وهذا التحول من المبدئية إلى الأداتية يطرح سؤالًا عميقًا حول صدقية المشروع برمّته.

إنّ ما يفرضه المنطق الأخلاقي ليس توظيف الموروث الطبقي أو الجندري في إدارة الصراع، بل التعالي عليهما انطلاقًا من موقف مبدئي ثابت، يُجسّد القطيعة مع هذه البُنى لا إعادة إنتاجها. وفي غياب هذا الاتساق، يصبح الخطاب السياسي أقرب إلى ممارسة براغماتية تستمد قوتها من إحياء القوالب النمطية، لا من تفكيكها، وهو ما يضعف مشروعيته الأخلاقية مهما كانت شعاراته المعلنة.