المأمورية الثالثة بين ضرورة التناوب وإكراهات الواقع/ اباه ولد أربيه

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي التحديات الأمنية في محيطنا الإقليمي، يبرز نقاش المأمورية الثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بوصفه موضوعًا يتجاوز السجال السياسي التقليدي، ليطرح إشكالية مركبة بين مبدأ التناوب الديمقراطي وإكراهات الواقع التي تفرض نفسها بإلحاح.

 

لا شك أن التناوب على السلطة يمثل ركيزة أساسية في بناء الأنظمة الديمقراطية وترسيخ شرعيتها، غير أن هذا المبدأ، في بعض السياقات، قد يصطدم بظروف استثنائية تستدعي مقاربة أكثر مرونة وواقعية. فموريتانيا اليوم ليست بمعزل عن محيط إقليمي مضطرب، يمتد من الساحل الذي يرزح تحت وطأة التهديدات الأمنية، إلى عالم يشهد إعادة تشكل موازين القوى وتزايدًا في بؤر التوتر وعدم الاستقرار.

 

في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى قيادة تتسم بالحكمة واليقظة، وتمتلك رصيدًا من التجربة والخبرة في إدارة الأزمات واستشراف المخاطر. وقد أظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال مأموريته، قدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن والاستقرار، وبين ضرورات الانفتاح السياسي والتهدئة الداخلية، وهو ما جنّب البلاد الانزلاق إلى سيناريوهات عرفتها دول مجاورة.

 

ثم إن الدعوة إلى مأمورية ثالثة لا تنفصل عن مسار سياسي أطلقه الرئيس نفسه، يتمثل في نهج الحوار الوطني بوصفه أداة لتسوية الخلافات وبناء التوافقات. فمن غير المنطقي، في نظر أنصار هذا الطرح، أن تُطرح مخرجات هذا الحوار للتطبيق في ظل قيادة جديدة لم تشارك في صياغته ولم تختبر تفاصيله، بينما يبقى صاحب المبادرة أولى بمتابعة تنفيذ نتائجه وضمان تجسيدها على أرض الواقع.

 

إضافة إلى ذلك، فإن بناء الدول ليس عملية آنية أو رهينة آجال انتخابية قصيرة، بل هو مسار تراكمي يتطلب الاستمرارية والمتابعة والمواصلة. فالإصلاحات الكبرى، سواء في مجال الحكامة أو الاقتصاد أو البنية التحتية، تحتاج إلى نفسٍ طويل وإرادة ثابتة تضمن عدم انقطاع الجهود أو تشتتها بتغير القيادات.

 

ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا يخلو من حساسية، إذ ينبغي أن يُناقش في إطار وطني هادئ ومسؤول، يوازن بين احترام النصوص الدستورية وروحها، وبين تقدير المصلحة العليا للبلاد في ظرفية دقيقة. فالقضية، في جوهرها، ليست مجرد تمديد لمأمورية، بل هي سؤال أعمق يتعلق بكيفية التوفيق بين المبادئ الديمقراطية ومتطلبات الاستقرار.

 

وعليه، فإن الجدل حول المأمورية الثالثة ينبغي أن يظل منفتحًا على مختلف الآراء، بعيدًا عن المزايدات أو التخوين، مع استحضار أن الغاية النهائية هي صون الدولة وتعزيز تماسكها وضمان أمنها واستقرارها، في عالم لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين.