تصريح الرئيس الأخير وتأكيد ملكية الدولة للأرض/ د. محفوظ سيدي عبد الله

 

تعتبر الملكية العقارية من أبرز العناصر التي تنظم العلاقة بين الدولة والأفراد في موريتانيا، وهي تتقاطع مع التقاليد القبلية ونظام الحيازة التقليدي الذي كان معمولًا به قبل صدور الأمر القانوني رقم 83-127. ويستند هذا التنظيم إلى مبدأ أساسي مفاده أن الأرض ملك للدولة، وأن القبيلة لا تتمتع بالشخصية القانونية، ما يجعل الملكية القبلية غير مقبولة قانونيًا. وقد جاء الأمر القانوني 83-127 ليعيد صياغة العلاقة بين الدولة، الأفراد والجماعات التقليدية، من خلال وضع إطار قانوني ينظم الملكية الفردية والحقوق الجماعية المترتبة عن النظام التقليدي السابق، بما يضمن احترام سيادة الدولة واستقرار الحقوق المكتسبة فعليًا. ويعكس تصريح الرئيس الأخير بهذا الشأن التزام الدولة الثابت بسيادتها على الأرض، مؤكدًا أن أي حقوق جماعية أو تقليدية يجب أن تُعاد صياغتها ضمن الإطار القانوني المنظم.

أولا: تأكيد ملكية الدولة للأرض
ينطلق النظام القانوني في موريتانيا من قاعدة واضحة مفادها أن الأرض ملك للدولة، وهو ما تؤكده المادة 1 من الأمر القانوني رقم 83-127 التي تنص على أن "الأرض ملك للأمة، ويحق لكل موريتاني، بدون أي تمييز، أن يصبح مالكًا لجزء منها طبقًا للقانون". هذا النص يعكس السيادة الوطنية على الأرض ويؤكد أن الملكية يجب أن تكون مرتبطة بشخصية قانونية طبيعية أو معنوية، ما يمنع أي ادعاء بالملكية القبلية.
وتعزز المادتان 9 و11 هذا المبدأ بشكل متين. فالمادة 9 تنص على أن "الأراضي الميتة هي ملك للدولة، وتعتبر أرضًا ميتة تلك التي لم يسبق لها إحياء، أو التي لم يبق لإحيائها آثار بديهية"، وهو ما يعكس السيادة المطلقة للدولة على الأراضي غير المستصلحة ويضع معيارًا عمليًا لتحديد الأراضي الميتة ويحول دون أي ادعاءات قبلية أو فردية عليها. أما المادة 11، التي تنص على أن "العقارات الشاغرة والتي لا مالك لها ملكًا للدولة، حسب ما يمليه الشرع الإسلامي"، فهي تعزز هذا المبدأ من زاوية شرعية، إذ تمنح القانون ثقلًا دينيًا وأخلاقيًا يدعم سيادة الدولة على الأرض، ويؤكد أن أي عقار بلا مالك طبيعي أو معنوي يصبح ملكًا للدولة تلقائيًا. وبذلك، يوضح الجمع بين هاتين المادتين أن القانون لم يكتف بالتصريح بسيادة الدولة على الأرض، بل وضع آليات معيارية لحماية الأراضي الميتة والشاغرة من أي استيلاء غير مشروع، بما يضمن أن أي حق ملكية يجب أن يرتبط بشخصية قانونية واستثمار فعلي، ويصون حقوق الأفراد المساهمين في الاستصلاح والاستغلال. ويؤكد تصريح الرئيس الأخير هذه الرؤية، باعتبارها ترجمة عملية لروح القانون في حماية ملكية الدولة للأرض.

ثانيا: إلغاء الملكية التقليدية وتنظيم الحقوق المترتبة عن النظام التقليدي

ألغى الأمر القانوني رقم 83-127 نظام الحيازة التقليدي القديم، كما نصت المادة 3 على أن "نظام حيازة الأرض التقليدي أصبح لاغيًا"، وهو ما يوضح رفض الملكية القبلية غير القانونية. وتوضح المادة 4 أن "لا يعتبر حق ملك لا يرتبط مباشرة بشخصية طبيعية أو معنوية، وليس ناتجًا عن استثمار يحميه الشرع الإسلامي"، وهو ما يعزز مبدأ عدم قدرة القبيلة على امتلاك الأرض قانونيًا.
وعلى الرغم من إلغاء الحيازة التقليدية، ينظم القانون الحقوق المكتسبة سابقًا بطريقة تحفظ الحقوق الواقعية للأفراد. فتشير المادة 5 إلى أن "التسجيلات العقارية على أسماء الشيوخ والوجهاء تصبح لصالح المجموعات التقليدية التي ينتمون إليها"، وتؤكد المادة 6 أن "الحقوق الجماعية المكتسبة شرعًا وفق النظام السابق والأراضي الزراعية تعود لمن ساهم في الاستصلاح الأصلي أو استمرار الاستغلال". 
ويضمن هذا التنظيم عدم انتقال ملكية القبيلة، وإنما تحويل الحقوق إلى إطار قانوني يحفظ استغلال الأفراد والمساهمين الفعليين.
كما تنص المادة 7 على أن "لا تقبل الدعاوى العقارية الجماعية لدى العدالة، وتشطب المحاكم بقرار خاص، غير قابل للطعن، كل الدعاوى التي تكتسي نفس الطابع".
 فهذا النص يحمي القانون من أي نزاع جماعي يهدف إلى المطالبة بالملكية القبلية، ويعزز مبدأ الملكية الفردية المنظمة قانونيًا، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة فعليًا للأفراد.
وبالتالي، يظهر بوضوح أن الأمر القانوني يوازن بين إلغاء الملكية التقليدية غير القانونية وبين تنظيم الحقوق المترتبة عن النظام التقليدي السابق، بما يحفظ حقوق الأفراد المشاركين في الاستصلاح والاستغلال، ويؤكد في الوقت نفسه أن الأرض ملك للدولة، وأن أي حق ملكية يجب أن يرتبط بشخصية قانونية حقيقية(طبيعية او معنوية) ويخضع لإطار قانوني رسمي، مع استناد التحصين القانوني إلى روح المواد 1، 9، 11، وبقية المواد المنظمة للملكية التقليدية، بما يضمن التوافق بين القانون والواقع الاجتماعي التقليدي، ويعكس تصريحات الرئيس الأخيرة التزام الدولة الفعلي بسيادتها على الأراضي.

د. محفوظ سيدي عبد الله
رئيس مصلحة التكوين الأولي بالمدرسة الوطنية للإدارة