الدستور ليس مرسوماً رئاسياً بل عقدٌ اجتماعي يجب أن يُحترم/ أحمد الدوه الشنقيطي

ليست مسألة المأموريات الرئاسية نقاشاً إجرائياً عابراً، ولا جدلاً سياسياً ظرفياً يُدار بمنطق المصلحة الآنية أو توازنات اللحظة،

 

بل هي في جوهرها سؤال أخلاقي ودستوري عميق، يتصل بطبيعة الدولة، وحدود السلطة، ومعنى التعاقد بين الحاكم والمحكوم. فالدستور، في الدول التي تحترم نفسها وشعوبها، ليس مرسوماً رئاسياً يُعدَّل كلما تغيّر شاغل القصر، وإنما عقدٌ اجتماعي سامٍ، يعلو على الأشخاص والظروف والرغبات.

 

إن تحديد المأموريات الرئاسية لم يأتِ عبثاً، ولم يكن نزوة قانونية أو استيراداً شكلياً من تجارب الآخرين، 

بل هو ثمرة تراكم تاريخي طويل من المعاناة مع الاستبداد واحتكار السلطة. 

 

وقد أدركت البشرية، بعد تجارب مريرة، أن السلطة إذا لم تُقيَّد بالزمن، تحوّلت إلى امتياز شخصي، وأن الحاكم إذا لم يعرف موعد الرحيل، نسي معنى الخدمة العامة.

 

ولهذا السبب، حرصت الدساتير الحديثة على تحصين قواعد المأموريات، ليس فقط بتحديد مدتها، بل أيضاً بتحديد عددها، بل وبتجريم المساس بها في بعض التجارب. فالغاية ليست إقصاء أشخاص بعينهم، وإنما حماية الدولة من الانزلاق التدريجي نحو حكم الفرد، مهما كانت نواياه المعلنة أو شعاراته الجذابة.

 

وفي السياق الموريتاني، لا يمكن فصل الجدل المتجدد حول المأموريات عن تاريخ سياسي مثقل بالانقطاعات الدستورية 

وتبدل القواعد مع كل مرحلة. فقد اعتاد المواطن، للأسف، أن يرى الدستور يُفصَّل على مقاس اللحظة السياسية،

 

 وأن تتحول القواعد العامة إلى استثناءات دائمة. وهذا بالضبط ما يجعل احترام النص الدستوري اليوم ضرورة وطنية، لا مجرد التزام قانوني.

 

-إن أخطر ما في الدعوة إلى فتح باب المأموريات ليس في مضمونها فقط، بل في منطقها. فهي تقوم غالباً على تخويف الناس من المجهول، وإقناعهم بأن الاستقرار مرهون ببقاء شخص بعينه في السلطة، وكأن الوطن يتيم لا يعيش إلا بوليّ واحد.

 

وكأن المؤسسات عاجزة عن إنتاج بدائل وطنية قادرة على القيادة. وهذا المنطق، متى ما قُبل، فإنه يهدم فكرة الدولة من أساسها، ويُفرغ الانتخابات من معناها.

 

ثم إن التجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن التلاعب بالمأموريات لا يجلب استقراراً حقيقياً، بل يؤجل الأزمات ويعمّقها. فكثير من الدول التي كسرت قيود التداول السلمي للسلطة دخلت في دوامات من الانقسام والاحتقان، ودُفعت شعوبها أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها باحترام نص دستوري واضح.

 

إن احترام المأموريات ليس موقفاً ضد رئيس، ولا انتقاصاً من إنجازاته، بل هو في الحقيقة أعلى درجات الاحترام له وللدولة معاً. فالرئيس الذي يغادر السلطة وهو ملتزم بالدستور، يخرج منها أقوى رمزياً، وأبقى أثراً، من ذاك الذي يُغريه البقاء حتى آخر هامش قانوني أو سياسي.

 

وخلاصة القول إن الدستور، حين يُحترم، يحمي الجميع: الحاكم قبل المحكوم، والسلطة قبل المعارضة، والحاضر قبل المستقبل. 

 

أما حين يتحول إلى مرسوم قابل للتعديل بحسب المزاج السياسي، فإنه يفقد هيبته، وتفقد الدولة بوصلتها، ويدخل الوطن في حلقة لا تنتهي من الشك وعدم الاستقرار.

 

لذلك، فإن الدفاع عن تحديد المأموريات ليس ترفاً فكرياً، ولا شعاراً معارضاً، بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، وعن حق الأجيال القادمة في وطن تحكمه القواعد لا الأشخاص، وتحميه المؤسسات لا الأهواء.