السلم الأهلي.. أمانة الانتماء وحتمية الاستقرار/ محمد بابا حامد

 

التحريض لا يبني عدالة، بل يبني أسواراً من الكراهية والارتياب، ويفتح ثغرات قد يستغلها المتربصون، وفي بلد مثل بلدنا يتميز بتعددية ثقافية ثرية ونسيج اجتماعي مترابط يُعد السلم الأهلي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها بقاء الدولة واستمرار نموها. 

وجاء ذلك على خلفية قضايا حساسة، تثار بين الحين والآخر، مثل الحديث عن "استرقاق"، وهي قضايا -إن ثبتت- يرفضها الدين والقانون والضمير الإنساني جملة وتفصيلاً. إلا أن الخطورة تكمن في طريقة تناول هذه القضايا.

لذلك تحول أساليب التحريض والتجييش العاطفي قبل انتظار كلمة القضاء، الملفات العادلة من مسار حقوقي قانوني يهدف لإنصاف الضحايا، إلى أداة لزرع الشقاق بين مكونات المجتمع ويفاقم التداعيات الغير محسوبة.

إن السلم الأهلي هو الثروة الحقيقية لموريتانيا؛ فبدونه تصبح كل مشاريع التنمية والعمل نحوها هباءً منثوراً، فالوحدة الوطنية هي الحصن الذي حمى بلادنا عبر العصور، وهي اليوم تواجه اختبارات صعبة تتطلب وعياً شعبياً يدرك أن أي تمزيق لهذا النسيج هو تهديد مباشر لمستقبل الأجيال القادمة.

بجب أن يكون القضاء هو الملاذ الوحيد والفاصل في أي دعوى تمس حقوق الإنسان، بعيداً عن ضجيج المنصات والتوظيف السياسي، وعلى قادة الرأي والمؤثرين والحركات الحقوقية تقع مسؤوليات أخلاقية مضاعفة تكمن في تحري الدقة، ورفض خطاب الكراهية الذي يعمم الخطأ الفردي على مجتمع أو شريحة كاملة، كما عليها تبني خطاب يجمع ولا يفرق، خطاب يبحث عن المشتركات ويواجه التجاوزات بروح الإصلاح لا بروح الانتقام والتحريض.

فالاستقرار ليس غياب الخلاف ووجهات النظر في التعاطي مع الشأن العام والقضايا العامة، لكنه "العقد الاجتماعي" الذي يضمن لكل موريتاني العيش بكرامة تحت مظلة القانون والعدالة، لذلك نحن نمر بلحظة فارقة تتطلب منا جميعاً تغليب لغة العقل والتمسك بقيمنا الأصيلة في السماحة والسلم، لأنهما المظلة التي نتحاور تحتها، والعدل هو الثمرة التي نرجوها، وبينهما تظل مصلحة موريتانيا فوق كل اعتبار ذاتي أو فئوي.