بين صخب الفضائح وهدوء الخوارزمية: هل نسقط في فخ الالتفات للوراء؟/ مكفولة آكاط

 

في كل مرة تشتعل فيها وسائط التواصل الاجتماعي بقضية من الماضي، كقضية "جيفري إبستين" أو غيرها من قصص سقوط النخب، ينتابني تساؤل عن سر هذا الانجذاب الجماعي للنار التي انطفأت نيرانها وبقيت رماداً للمحاكمة. لماذا تنجح فضيحة تاريخية في حبس أنفاس العالم لأشهر، بينما تمر التحولات المصيرية التي تعيد هندسة حاضرنا ومستقبلنا بصمت يثير الريبة؟

لا أحاول هنا نفي نظرية مؤامرة، بل أرصد ما يمكن تسميته "ديناميكية الانتباه". نحن نعيش في عصر يتم فيه استهلاك وعينا كسلعة، وتبدو الفضائح الكبرى كـ "دراما عالية الكثافة" تشغل خشبة المسرح بالكامل، بينما في الكواليس المظلمة، يُعاد كتابة نص المسرحية البشرية وتغيير الممثلين والقواعد، دون أن يلحظ الجمهور المأخوذ بهول الصدمة.

إن انجذابنا لهذه الفضائح مبرر سيكولوجياً؛ فهي تقدم لنا سردية مريحة بوضوحها الأخلاقي: هناك شرير مطلق، وضحية منكسرة، وحكم حتمي. هذا الوضوح يمنحنا نوعاً من "التفريغ العاطفي" ويشعرنا بالرضا الأخلاقي ونحن نمارس دور القضاة. لكن المشكلة تكمن في أننا ننهمك في سؤال "من المخطئ؟" لننسى السؤال الأهم: "كيف وصل النظام الى هذا الحد؟". نحن نركز على استئصال التفاحة الفاسدة، في حين أن الشجرة نفسها يجري تلقيحها جينياً بطرق لم نعد ندرك كنهها.

وبينما نحن غارقون في تحليل تفاصيل الماضي، يزحف الذكاء الاصطناعي التطبيقي ليعيد تعريف معنى "الإرادة". السلطة اليوم لا تأتي بزي عسكري أو بقرار سياسي فج، بل تأتي عبر خوارزميات صامتة. وقد كشف تقرير الذكاء الاصطناعي لعام 2027 (AI 2027) عن أرقام صادمة تتجاوز مجرد التوقعات؛ حيث يشير التقرير إلى أن أكثر من 70% من القرارات "السيادية" الصغيرة في المؤسسات الكبرى باتت تُتخذ عبر نماذج تنبؤية لا يملك البشر حق نقضها فعلياً. السلطة تنتقل من الفاعل البشري الذي يمكننا محاسبته، إلى "الفاعل الرقمي" المعقد الذي لا يمنعك من فعل شيء، بل يسهل لك مسارات محددة ويغلق أخرى، حتى تجد نفسك قد اخترت "بمحض إرادتك" ما تم تصميمه لك مسبقاً.

هنا يبرز الربط المرعب: فبينما تُستنزف طاقتنا في محاكمة "انتهاكات الجسد" التي حدثت بالأمس، يتم تطبيع "انتهاك العقل" وإعادة برمجة الاختيار في الحاضر. وبينما ينشغل العالم بمطاردة أشباح الماضي، تضع النخب التقنية والسياسية القواعد التي ستحدد تصرفاتنا التنبؤية غداً، مستفيدة من حالة "العماء الجماعي" التي تخلفها الفضائح المتتالية.

إن العدالة تجاه الماضي ضرورة، لكنها يجب ألا تكون "ستارة دخان" تعمينا عن الزلزال الذي يحدث تحت أقدامنا. الخطر الحقيقي ليس في أن يستبد بنا ذكاء اصطناعي شرير، بل في أن نصبح مجرد "بيانات" في معادلة لا نملك فيها حق الاعتراض، لأننا وببساطة.. كنا مشغولين بمشاهدة دراما أخرى. السؤال الذي يجب أن يؤرقنا حقاً: من يصيغ خياراتنا القادمة، بينما نحن منشغلون برجم خيارات الأمس؟