الذي نجح فيه غزواني وفشل فيه آخرون!/ المختار محمد يحيى

 

 

وسط إعجابنا الكبير بأسلوب عمل الحكومة وما حمله إعلان سياستها العامة للعام 2026 وما أنجز في العام الفارط 2025 من بشرى للمواطنين وهم يشاهدون مجريات ذلك الإعلان مباشرة من قبة البرلمان، مما يعزز الطمأنينة إلى امتلاكهم حكومة كفاءات معززة بوزراء ذوي خبرة كبيرة وبقيادة وزير أول يمتلك سمات تسييرية هامة، تؤكد أن ثقة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني كانت في محلها، وأن إنجازاته التي يحقق يوما بعد يوم للشعب الموريتاني هي إنجازات قائد يدرك حجم المسؤولية ويقدر مصلحة الوطن حق قدرها.

 

إن قياس النجاحات بالنسبة للدول تكمن في قدرة القائد على إحداث تحول هادئ ومستدام في بنية الدولة، وعلى ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وخلال ست سنوات من تولي فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد السلطة، برز نموذج قيادي مختلف، اختار البناء، والعمل الصامت، والتأسيس طويل المدى.

 

لقد نجح غزواني حيث فشل آخرون، لأنه فهم أن الدولة لا تُدار بالشعارات، والبروباغاندا بل بالسياسات طويلة النفس، ولا تُبنى بالارتجال والتخبط، بل بالتخطيط المعقلن والمستديم الذي يروم تحقيق ما عجز عنه الغير من منح الوطن والمواطن الرفاه والازدهار.

 

استقرار سياسي!

 

أحد أبرز إنجازات فخامة الرئيس غزواني هو ترسيخ الاستقرار السياسي، في بلد عانى طويلًا من الهشاشة السياسية وتذبذب الثقة بين السلطة والمعارضة. فقد اعتمد نهج الحوار والانفتاح، وابتعد عن سياسة الإقصاء، ما خلق مناخًا سياسيًا أقل توترًا وأكثر قابلية للتفاهم ومهيئ لسلوك التنمية طريقها بثقة.

 

هذا الاستقرار لم يكن مجرد حالة أمنية، بل أصبح "ثقافة سياسية" قائمة على احترام المؤسسات، والاحتكام للقانون، وتخفيف حدة الصراعات السياسية، وهو ما فشل فيه كثير من القادة الذين اختاروا المواجهة بدل التهدئة، واستثمروا في الصراعات لإلهاء الساسة والمواطنين عما يدور في واقع تسيير البلد ومثال ذلك ما كان في فترة العشرية الماضية من أحداث وأزمات سياسية.

 

ترسيخ دولة المؤسسات

 

من أهم ما ميّز تجربة فخامة رئيس الجمهورية هو الانتقال السريع من منطق الفرد الذي يمركز السلطة في ذاته إلى منطق المؤسسة، من خلال منح الصلاحيات إلى أصحابها. فقد عمل على تعزيز دور الإدارة العمومية ودعمها بدماء جديدة، حرصا على العمل الإداري وقربه من المواطن، كما قام بتفعيل الهيئات الرقابية، وتقوية استقلالية القرار الإداري، وإعادة الاعتبار للوظيفة العمومية كخدمة عامة لا كغنيمة سياسية، وهو ما لا يعجب أعداء التغيير نحو الأفضل لكنه تغيير يفرض نفسه، ليكون هذا التحول البنيوي إنجازا استراتيجيا كبيرا، لأنه يؤسس لدولة مؤسسات مستمرة لا ترتبط بالأشخاص، بل بالقوانين والأنظمة.

 

الإصلاح الاقتصادي

 

اقتصاديًا، استطاع النظام بقيادة رئيس الجمهورية غزواني تحقيق استقرار مالي نسبي رغم التحديات العالمية، من جائحة كورونا إلى الأزمات الاقتصادية الدولية، وحالات الهشاشة الأمنية المحيطة ببلادنا، والعمل بسرعة على انتشال المؤسسات الخدمية وعلى رأسها قطاع الصحة من الترهل والفشل الذي مني به طوال عقود، ولمواجهة الجائحة وتقديم الخدمة الصحية العمومية على أحسن وجه.

 

ومن أبرز الإنجازات في هذا المجال تحسين إدارة الموارد العمومية، وتعزيز الشفافية في الصفقات، وتحسين مناخ الاستثمار، وإطلاق مشاريع بنية تحتية استراتيجية، تطوير قطاعات التعدين والطاقة والصيد، لينتقل الاقتصاد الوطني بفضل الله وسياسات الحكومة الحكيمة من مخاوف الاستنزاف إلى حالة الاستدامة المطمئنة.

 

ولقد شكلت مشاركات فخامة الرئيس في كبريات المؤتمرات والملتقيات والقمم الإقتصادية في مختلف قارات العالم، العلامة الفارقة التي حققت لبلادنا الفوز بثقة المستثمرين، وبناء شراكات استراتيجية هامة، من أبرزها مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر الذي هو في مرحلة جمع التمويل وما سيوفره من قدرة وطنية لتوفير الطاقة الخضراء التي من خلالها يمكن من خلق صناعة صلب لأول مرة في البلاد.

 

العدالة الاجتماعية

 

ما ميّز سياسات غزواني الاجتماعية هو التركيز على الفئات الهشة، من خلال إنشائه المندوبية العامة للتضامن الوطني "تآزر" التي أطلقت عشرات برامج الدعم الاجتماعي، وقامت بتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر محدودة الدخل، وتعزيز الولوج للخدمات الأساسية، فضلا عن دعم التعليم والصحة من خلال بناء وتشييد المدارس والمراكز الصحية.

 

لقد تحولت الدولة من سلطة إدارية إلى فاعل اجتماعي حاضر في حياة المواطن اليومية، وهو تحول عميق في فلسفة الحكم لم يوجد بهذا الشكل قبل حكم فخامة الرئيس غزواني.

 

الدبلوماسية واستعادة المكانة 

 

على المستوى الخارجي انتهج الرئيس غزواني سياسة خارجية هادئة ومتوازنة، قائمة على احترام الشراكات الاستراتيجية، والانفتاح على العمق الإفريقي، والحضور الفاعل في المحافل الدولية، وتعزيز صورة موريتانيا كدولة استقرار، ومد جسور التعاون مع مختلف الجهات خدمة لمصالح موريتانيا.

 

وقد نجحت هذه الدبلوماسية في إعادة تموقع موريتانيا كدولة موثوقة إقليميًا ودوليًا، ذات دور ريادي في بسط الأمن في منطقة الساحل، بل في غرب إفريقيا، وهو ما عبرت عنه عدة قوى إقليمية ودولية معتبرة موريتانيا الحليف الرئيسي في غرب إفريقيا.

 

محاربة الفساد!

 

بدل الخطاب الشعبوي، والاستغلال السياسي اعتمد رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مقاربة مؤسسية في مكافحة الفساد عبر تفعيل أجهزة الرقابة، وتعزيز آليات الشفافية، وتقوية المنظومة القانونية، وإرساء قواعد المساءلة، وهو نهج ذكي يجنب الدولة الفوضى، ويؤسس لمكافحة فساد مستدامة لا موسمية، بالإضافة إلى احترام استقلالية القضاء باعتبارها السبيل الوحيد لبناء دولة قانون حقيقية.

 

وهو ما أثمر نوعا من حالة عدم اليقين داخل بؤر الفساد مما ساهم في وضع رقابة ذاتية قبلية خوفا من المسائلة، وورود الأسماء في تقارير المؤسسات الرقابية، التي بات نشرها أمام الجمهور مسألة وقت كلما انتهى أحدها، خلافا للسابق، حيث كانت تحاط بالسرية التامة، وربما لا تحتوي معلومات دقيقة وصارمة، وهو ما تغير بفعل الحرية الممنوحة للمؤسسات الرقابية والدعم الرسمي لها.

 

وأخيرا فلقد نجح غزواني لأنه لم يسعَ إلى البطولة الفردية، بالعكس سعى إلى البناء الجماعي، ولم يغرهِ السعي وراء الشعبية السريعة، فركّز على الشرعية التنموية، ولم يحكم بمنطق الصدمة والشيطنة، فكان حكمه بمنطق المحبة في الوطن، والتراكم والاستدامة.

 

نجح فخامة الرئيس لأنه فهم أن الدول تُبنى بالثقة وبالهدوء، ومشاركة الجميع، في مسار طويل من الإصلاح الرزين، والعمل الصبور، والرؤية الواضحة. وفشل غيره لأنهم ظنوا أن الحكم استعراض كرنفالي، وسياسات ارتجالية، بينما أثبت غزواني أن الحكم مسؤولية وأن السيد هو الشعب الذي انتخبه لقيادة البلاد إلى ضفة الأمان والنجاح والاستقرار.