قطاع الاتصالات في موريتانيا رهان التحول في أفق 2030/ يعقوب اعبيدي

يمرّ قطاع الاتصالات عالميًا بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، يتراجع فيها النمو في شكله التقليدي القائم على شبكات النقل الكلاسيكية والتشغيل اليدوي، مقابل صعود نماذج جديدة تعتمد على البرمجيات، والأتمتة، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات.
هذا التحول لا يعني أفول قطاع الاتصالات، بل يعني إعادة تعريفه.
في موريتانيا، يكتسب هذا التحول بُعدًا خاصًا، إذ يتزامن مع مرحلة تأسيسية في بناء البنية التحتية الرقمية الوطنية. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في مشاريع الألياف البصرية، وربط المدن والمناطق الحدودية، وتوسيع تغطية الجيل الرابع، إلى جانب إطلاق برامج واسعة لرقمنة الخدمات العمومية.ومراكز البيانات ومع وتيرة العمل الحالية، يُتوقع أن تبلغ موريتانيا تغطية شبه شاملة بالألياف البصرية والجيل الرابع بحلول عام 2030، بالتوازي مع تحول رقمي واسع لغالبية الخدمات العمومية وأنماط
عمل المؤسسات وظهور الجيل الخامس
غير أن هذا التحول التقني يطرح سؤالًا استراتيجيًا محوريًا:
هل القوى العاملة في قطاع الاتصالات مستعدة لهذه المرحلة؟
التحدي الحقيقي: الإنسان لا الشبكة
لسنوات طويلة، بُني قطاع الاتصالات على مهارات محددة: تشغيل الشبكات، إدارة النقل، صيانة العتاد، وضمان الاستمرارية. هذه المهارات كانت ولا تزال جوهرية، لكنها لم تعد كافية وحدها.
اليوم، تُؤتمت العديد من وظائف الشبكات التقليدية، أو يُعاد تنظيمها، أو تُسند إلى جهات خارجية. وفي المقابل، تتنامى الحاجة إلى مهارات جديدة تتقاطع فيها الاتصالات مع تكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات، والبيانات
هذا الواقع يضع فئة بعينها في قلب التحول
المهندسون والمخططون ومديرو العمليات ذوو الخبرة
هؤلاء يشكّلون الذاكرة التقنية للقطاع، لكنهم في الوقت نفسه الأكثر عرضة لمخاطر الركود المهني إذا لم يواكبوا التحول.
والحقيقة الصعبة هي أن الانتظار لم يعد خيارًا.
مهارات قابلة للنقل لا للاستبدال
من الخطأ النظر إلى التحول الرقمي على أنه قطيعة مع الماضي. فمهارات الاتصالات تُعد من أكثر المهارات قابلية للنقل والتكيّف إذا أُعيد توجيهها بشكل صحيح فمثلا:
• هندسة الشبكات تحل محلها، البنية التحتية السحابية،
• مراكز عمليات الشبكة نحو الأتمتة وعمليات الذكاء الاصطناعي (AIOps)،
• شبكات النقل والنواة نحو مراكز البيانات والحوسبة الطرفية،
• خبرات تنفيذ المشاريع الكبرى نحو قيادة برامج التحول الرقمي.
التحول المطلوب ليس قفزة في المجهول، بل انتقال تدريجي من عالم العتاد إلى عالم التجريد
من الكابلات إلى البرمجيات،
من العمليات اليدوية إلى التنسيق الذكي،
ومن أدوار جامدة إلى مهارات هجينة
خصوصية موريتانيا: التحول قادم لا محالة
في السياق الموريتاني، لا يقتصر التحول على مشغلي الاتصالات فحسب، بل يشمل الطلب نفسه
فرقمنة الإدارة العمومية، وتطور احتياجات الأمن، والتعليم، والصحة، والعدالة، ستغيّر طبيعة الطلب من مجرد ربط وتغطية وسعات إلى خدمات موثوقة، مؤمنة، عالية الاعتمادية، ومتكاملة مع منصات رقمية وطنية
هذا الواقع سيفرض على مؤسسات الاتصالات إعادة التفكير في عروضها ونماذج عملها:
من مشغّل شبكة إلى مزود خدمات رقمية
ومن منطق التشغيل إلى منطق المنصات،
ومن المنافسة على السعر إلى المنافسة على القيمة.
*موريتانيا كحلقة ربط رقمية بين أوروبا وإفريقيا*
إلى جانب تطوير البنية التحتية الداخلية، يبرز أمام موريتانيا رهان استراتيجي أكبر يتمثل في التموضع كممر رقمي عالي السعات بين أوروبا وإفريقيا.
الموقع الجغرافي الفريد للبلاد، إذا ما دُعم ببنية تحتية بحرية وبرية موثوقة، وتعدد في مسارات الربط الدولي، ومراكز بيانات بمعايير عالمية، يمكن أن يحوّل موريتانيا إلى نقطة عبور إقليمية لحركة البيانات العابرة للقارات.وسيظهر في السوق نوع جديد من مشغلي البنى التحتية وبائعي السعات الدولية وسينتعش الاقتصاد الرقمي والوطني
يتطلب هذا الطموح تنسيقًا وثيقًا بين الحكومة ومؤسسات الاتصالات، ليس فقط لضمان وفرة السعات الدولية وجودتها، بل أيضًا لتوفير بيئة تنظيمية وتقنية جاذبة للاستثمار الرقمي الكبير. فالربط عالي السعات، منخفض الكمون، والمُؤمَّن، هو شرط أساسي لاستقطاب المؤسسات التكنولوجية الكبرى (GAFA وغيرها) لاستضافة جزء من خدماتها ومنصاتها داخل مراكز البيانات الوطنية.
إن استيطان هذه الخدمات لا يعني مجرد استضافة تقنية، بل يفتح آفاقًا استراتيجية واسعة، من بينها:
• خلق طلب مستدام على السعات الدولية والبنية التحتية المحلية،
• نقل المعرفة وبناء قدرات وطنية في تشغيل المنصات السحابية ومراكز البيانات،
• خلق فرص عمل نوعية في مجالات التشغيل، والأمن السيبراني، وإدارة المنصات،
• تعزيز السيادة الرقمية وتقليص التبعية للخارج في استضافة البيانات.
كما يشكّل ذلك رافعة أساسية لتطوير محتوى رقمي وطني في مجالات الإدارة الإلكترونية، والتعليم، والصحة، والإعلام، والخدمات الرقمية الموجهة للمواطن والمقاولة. فوجود المحتوى والخدمات داخل البلاد يحسّن جودة الخدمة، ويخفض الكلفة، ويرفع مستوى الاعتمادية، ويعزز الثقة في المنظومة الرقمية الوطنية.
*إ عادة التأهيل* : استثمار استراتيجي لا تكلفة*
في هذا السياق، تصبح إعادة تأهيل المهارات خيارًا استراتيجيًا للدولة، والمنظم، والمشغلين على حد سواء.
لا يحتاج مهندس الاتصالات إلى أن يصبح عالم بيانات بين ليلة وضحاها، لكنه يحتاج إلى إضافة طبقات معرفية أساسية:
• مبادئ الحوسبة السحابية،
• الأتمتة وكتابة البرامج النصية،
• العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي،
• التفكير على مستوى المنصات والأنظمة المتكاملة.
هذا النهج أقل تكلفة، وأكثر استدامة، وأسرع أثرًا من استبدال الكفاءات أو الاعتماد الدائم على خبرات خارجية.
*من إدارة التحول إلى قيادته* :
ما تعيشه موريتانيا اليوم ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول هيكلي في طريقة بناء الدولة الرقمية. وقطاع الاتصالات، بما يمتلكه من خبرة تراكمية، مؤهل لأن يكون في صدارة هذا التحول لا على هامشه.
فالذين بنوا العمود الفقري الرقمي للبلاد، هم الأقدر على الارتقاء به إلى مستوى المنصات والخدمات الذكية.
الخطر الحقيقي ليس في التغيير،
بل في البقاء في المكان نفسه، بينما تتغير البنية والطلب ونماذج العمل من حولنا.
التحول في قطاع الاتصالات بموريتانيا حتمي.
والقوى العاملة تمتلك ميزة تنافسية لا يمكن استيرادها: الخبرة.
الرهان اليوم هو تحويل هذه الخبرة من أداة تشغيل
إلى رافعة قيادة وتموضع إقليمي في أفق 2030.
