الهجوم على مهرجان المذرذرة/ د. أحمدو ميح ولد محمدن

إن الهجوم الذي استهدف مهرجان المذرذرة يطرح، بالنسبة لي كمتابع للرأي العام، أسئلة تتجاوز واجهة هذا الهجوم وطبيعة الخلاف أياً كانت، مع منظميه؛ فحدّته وانتقائيته ودقة استهدافه للبنية الاجتماعية المحلية ليست بريئة أو عفوية، بل تعكس توظيفًا واعيًا يحمل في طياته أبعادًا سياسية خفية. واللافت أن هذا الخطاب لم يُوجَّه إلى فعاليات أو مناسبات ثقافية أخرى مماثلة، ما يوحي بأن هذا الاستهداف ليست له علاقة بالثقافة أو بطبيعة منظمي المهرجان فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أبعاد أخرى.
تركيز الهجوم على هذا المهرجان ، دون غيره من المهرجانات والأنشطة الثقافية المشابهة في مختلف المقاطعات والولايات، لا يمكن اعتباره اختلافًا عاديًا في الرأي أو الذوق الثقافي، بل هو استهداف واضح للحاضنة والبنية الاجتماعية للمهرجان أكثر مما هو لبرنامجه أو لمنظميه. هذا التوظيف يستهدف أي حضور إيجابي للنخب المنحدرة من هذه المنطقة، ويسعى إلى ترسيخ صورة سلبية عنها لدى الرأي العام الوطني. لكن المفارقة أن هذا الهجوم جاء بنتيجة عكسية، فقد ساهم في إبراز الجوانب الإيجابية للمهرجان، وغطّى إلى حدّ كبير على ما شابه من نواقص.
إن دعوة البعض إلى تجاهل هذا الخطاب، أو عدم إعطائه قيمة، قد تبدو دعوة حكيمة في ظاهرها، غير أن جوهرها لا يخلو من سوء تقدير سياسي. فالهدف من توظيف مثل هذه الأوجه الإعلامية هو ترسيخ صورة نمطية جاهزة لدى الرأي العام عن منطقة معينة. وهنا تكمن خطورة وسائط التواصل الاجتماعي في قدرتها على ترسيخ سرديات مسبقة إذا لم تُواجَه بالحُجّة.
إن مواجهة هذه الحملة التشويهية لا ينبغي أن تستهدف الأشخاص، بقدر ما تتجه إلى كشف أنماط التلاعب بالرأي العام، وكشف آليات التوجيه التي حوّلت المنصات الرقمية من فضاءات للتعبير إلى أدوات للإقصاء.
إن مهرجان المذرذرة، بما يحمله من دلالات ثقافية وتنموية، يستحق نقاشًا عموميًا راشدًا يُوضَع فيه حدٌّ فاصل بين النقد البنّاء وحملات الاستهداف، وبين حرية التعبير والانزلاق إلى شعبوية التدوين. فالتجربة تؤكد أن المبادرات التي تصمد أمام حملات التشويه لا تخرج منها أقلّ شأنًا، بل أكثر حضورًا وتأثيرًا. وإلى موعد قادم مع مهرجان آخر أكثر تنوّعًا وعطاءً
